clientscript/vbulletin_menu.js?v=384 محاضرات مفرغة 1- فضل قيام الليل الشيخ سليمان بن محمد اللهيميد - منتدى رياض الجنة - Riad Al-Ganah
إصلاح الجوارح والافئدة من مقدمات الأشرطة

العودة   منتدى رياض الجنة - Riad Al-Ganah > الرياض الاسلامي والعلم الشرعي > روضة الخطب والدروس المفرغة

الملاحظات

إضافة رد

  #1  
قديم 03-01-2012, 02:47 AM
الصورة الرمزية أم عبد المنعم
أم عبد المنعم أم عبد المنعم غير متواجد حالياً
مشرفة
 
تاريخ التسجيل: Dec 2011
المشاركات: 1,256
افتراضي محاضرات مفرغة 1- فضل قيام الليل الشيخ سليمان بن محمد اللهيميد

بسم الله الرحمن الرحيم
محاضرات مفرغة
1- فضل قيام الليل





بسم الله الرحمن الرحيم

فضل قيام الليل
الشيخ
سليمان بن محمد اللهيميد





بسم الله الرحمن الرحيم
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليماً كثيراً .
( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ ) .
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ) .
أما بعد :
أيها الحضور ، أيها الإخوة ، ضمن المحاضرات التي هي بعنوان : الفضائل ، فإن الموضوع لهذه الليلة بعنوان : فضل قيام الليل .
لاشك أخي المسلم ! أن قيام الليل من العبادات الجليلة ، والعبادات العظيمة .
قيام الليل : عبادة جليلة ، عبادة عظيمة ، تدل على قوة الإيمان ، ورضا الرحمن .
قيام الليل : علامة المتقين ، ودليل المخلصين .
قيام الليل : عبادة حافظ عليها الصالحون ، وتربى عليها المجتهدون .
قيام الليل : عبادة تدل على قوة الإيمان ورسوخ اليقين والشوق إلى لقاء رب العالمين .
قيام الليل : مدرسة الزاهدين ، وخلوة العابدين ، وشرف الصالحين .
قيام الليل : تجديد للإيمان ، وقمع للشيطان .
قيام الليل : من الطاعات الجليلة والقربات العظيمة .
جاءت النصوص الكثيرة من الوحيين في بيان فضله والثناء على أهله ، وتكاثرت الأدلة على فضل هذه العبادة الجليلة .
فمن فضائل قيام الليل :
أولاً : أن الله تبارك وتعالى مدح أهله .
قال تعالى ( تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ . فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاء بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ) .
قال ابن كثير : تتجافي جنوبهم عن المضاجع : يعني بذلك قيام الليل وترك النوم والاضطجاع على الفرش الوطيئة .
يدعون ربهم خوفاً وطمعاً : أي خوفاً من وبال عقابهِ وطمعاً في جزيل ثوابهِ .
ومما رزقناهم ينفقون : فيجمعون بين فعل القربات اللازمة والمتعدية .
إذاً :
يقومون الليل ويدعون ربهم خوفاً وطمعاً ، وهكذا المؤمن يعمل ويخاف بخلاف المنافق لا يعمل ولا يخاف ؟؟ دائماً آمن .
ولذلك يقول الله تعالى في وصف أوليائه ( وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ ) .
وقال تعالى(رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ ) .
فالمؤمن يعمل ويجتهد ويثابر ويخاف ألا يتقبل منه .
ولذلك لما نزلت قول الله تعالى (وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ ) قالت عائشة : أهم الذين يسرقون ويزنون ؟ فقال r : لا يا ابنة الصّدِّيق ، ولكنهم الذين يعملون ويخافون ألا يتقبل منهم .
فالمؤمن يعمل ويخاف ولذلك يقول الحسن البصري : ما أمنَه إلا منافق ، يعني النفاق ، ما أمنه إلا منافق .
إذاً : مدح الله عز وجل أولئك الأبطال ، أولئك الرجال ، أولئك العظماء ، الذين يتركون الفرش الجميلة ، وقاموا سجداً وقياماً وركعاً ، يصلون الليل ، يخافون ربهم خوفاً وطمعاً .
ولذلك قال تعالى ( فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاء بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ) .
قال ابن كثير : أي فلا يعلم أحد عظمة ما أخفى الله لهم في الجنات من النعيم المقيم واللذات التي لم يطلع على مثلها أحد ، لما أخفوا أعمالهم أخفى الله لهم من الثواب ، جزاءً وفاقاً ، فإن الجزاء من جنس العمل .
قال الحسن البصري : أخفى قوم عملهم ، فأخفى الله لهم ما لم تر عين ولم يخطر على قلب بشر .
ولذلك جاء في الحديث قال النبي صلى الله عليه وسلم قال تعالى ( أعددت لعبادي الصالحين ، ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ، قال أبو هريرة اقرؤوا إن شئتم : فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون ) متفق عليه .
قال الشاعر :
يا نفسُ قومي فقد نام الورى إن تصنعي الخيرَ فذو العرشِ يرى
وأنتِ يا عينُ دعي عنكِ الكرى عند الصباحِ يحمد القومُ السُّرَى
ثانيا : قيام الليل من علامات المتقين .
قال تعالى } إن المتقين في جنات وعيون آخذين ما آتاهم ربهم إنهم كانوا قبل ذلك محسنين . كانوا قليلاً من الليل ما يهجعون . وبالأسحار هم يستغفرون { .
فلا يستقر بهم حال ، ولا يثبت لهم نوم ، ولا يغمض لهم جفن لخوفهم من الوعيد ورجاءهم فيما عند الله من النعيم .
فمن أراد أن يحقق التقوى وأن يكون متقياً لله فليعمل بأسبابها ، ومن أعظم أسبابها قيام الليل ، فمن قام الليل وجاهد نفسه وترك الفراش الجميل ، وقام بالبرد القارص فإن ذلك من أعظم علامات التقوى .
ولذلك قال بعض العلماء : إنما سموا متقين لأنهم اتقوا ما لا يتقى .
تقوى الله فضلها عظيم ( إن للمتقين مفازاً ) . ( إن أكرمكم عند الله أتقاكم ) ( ثم ننجي الذين اتقوا ) والآيات في هذا كثيرة .
إذاً : من علامات المتقين قيام الليل :
قال الحسن البصري في الآية : لا ينامون من الليل إلا أقله ، كابدوا قيام الليل .
قال الأحنف بن قيس : عرضت عملي على أعمال أهل الجنة ، فإذا قـوم قد باينونا [ أي خالفونا ] بوناً بعيداً ، لا تبلغ أعمالهم ثم قرأ : كانوا قليلاً من الليل ما يهجعون .
وفي قوله سبحانه ( وبالأسحار هم يستغفرون ) قال الرازي في الآية : إشارة إلى أنهم كانوا يتهجدون ويجتهدون ثم يريدون أن يكون عملهم أكثر من ذلك ، وأخلص منه ، فيستغفرون من التقصير ، وهذه سيرة الكريم : يأتي بأبلغ وجوه الكرم ويستقله ويعتذر من التقصير ، واللئيم يأتي بالقليل ويستكثره ويمن به .
إذاً : ينبغي علينا أن نحرص على هذه العبادة ما دام أن أول صفة بل من أعظم صفات المتقين أنهم لا ينامون من الليل إلا قليلاً .
فأين أولئك الذين يسهرون على المحرمات ، ويسهرون على المنكرات ، وينامون عن الواجبات ، فاحرص أخي المسلم لتكون من المتقين :
يا رجال الليلِ جدوا ربَّ داعٍ لا يُـرَدُّ
ما يقـومُ الليلَ إلا مَنْ له عزمٌ وجـدُ
ليس شيءٌ كصـ لاة الليلِ للقبرِ يُعَدُّ
ثالثاً : قيام الليل : من صفات عباد الرحمن . أولياء الله ومن أسباب دخول الجنة .
يقول تعالى في وصف عباد الرحمن :
( وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّـدًا وَقِيَامًا وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْـرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا ....... أولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا ) .
فهذه من أعظم صفات عباد الرحمن الخلَّص ، الصفوة .
فليلهم خير ليل ، سجداً وقياماً ، طاعة لله وانكساراً .
فيا سبحان الله : ألا تزيدك هذه الصفة الاجتهاد في قيام الليل والانضمام إلى عباد الرحمن ؟؟
ألا تحب أن تتشبه بهؤلاء العظماء – الصفوة – الذين مدحهم الله وأثنى عليهم ، بل هم من أوليائه ، أولياء الله : الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون .
يضعون الجباه لله عز وجل الذي خلقهم وأعطاهم وشرفهم ، يشكرون الله تعالى على هذه النعمة .
فأين الذين يبيتون على القنوات المحرمة ، أو الأفلام الساقطة ، أو الألعاب المضيعة للأوقات ، ليلهم بالمحرمات ويتركون الواجبات .
فأين المشمر ، وأين اللبيب ، أين من يرى الموت بدأ يأخذ الناس صغاراً وكباراً ، فاستغَلّ هذه الحياة الدنيا ، واستغل ليله في طاعة الله عز وجل قبل هجوم هاذم اللذات .


توقيع : أم عبد المنعم


رد مع اقتباس
  #2  
قديم 03-01-2012, 02:50 AM
الصورة الرمزية أم عبد المنعم
أم عبد المنعم أم عبد المنعم غير متواجد حالياً
مشرفة
 
تاريخ التسجيل: Dec 2011
المشاركات: 1,256
افتراضي

بلال يناديك من أعلى المنارة --- وأنت نائم في العمارة .
لو أطعت بلال لدخلت في مسمى الرجال
(رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ ) .
كيف لا يقومون وسيدهم صلى الله عليه وسلم وإمامهم كان يقوم الليل .
عن عائشة . قالت ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوم الليل حتى تتفطر قدماه ، فتقول له : لم تصنع ذلك وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر فيقول : أفلا أحب أكون عبداً شكوراً ) .
يقوم صلى الله عليه وسلمحتى تتفطر قدماه شكرا لهذه النعمة وهي مغفرة الذنوب ، إن جزاء من أسدى إليكم معروفاً أن تجتهد في شكره .
وأحق الناس يقوم بذلك هو صلى الله عليه وسلم ، فكان يقوم الليل شكراً لربه وطاعة له على نعمه العظيمة التي من أعظمها مغفرة الذنوب ما تقدم منها وما تأخر .
إذاً : الشكر يكون بالقول ويكون بالفعل ، فليس الشكر فقط باللسان بل بالفعل ، فشكر الله يكون باللسان وأيضاً نشكر الله ، بأن نستغل هذه الجوارح بطاعة الله تعالى ، سجوداً وطاعة ، ذكراً لله باللسان ، وصدقة لوجه الله باليد ، وذهاباً إلى المساجد والمحاضرات والدروس بالأرجل .
يقول عبد الله بن رواحه .
وفينا رسـول الله يتـلو كتابَه إذا انشقّ معروفٌ من الصبحِ ساطعٌ
أرانا الهدى بعد العَمى فقلوبنا به موقنـات أن مـا قـال واقـع
يبيت يجافي جنبه عن فراشـه إذا استثقلت بالمشـركين المضاجـعُ
رابعاً : وفرق تعالى بين من قام الليل ومن لم يقمه ، ممتدحاً صاحب القيام .
فقال تعالى( أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاء اللَّيْلِ سَاجِداً وَقَائِماً يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُـو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ) .
كيف يستوي من تحمل مشقة السهر ، ومؤنة الوقوف ، وآثر على المنام لذة القيام ، طمعاً ورجاء بوعد الله ... كيف يستوي هو ومن ضيع ليله نائماً هائماً ، لم ينشطهُ وعد ولم يخوّفه وعيد .
فيا أخي المسلم ، بعد سماعك لهذه الآية ألا تريد أن تكون من أولئك الذين مدحهم الله وأثنى عليهم ، يقومون الليل يسجدون ، يرجون الآخرة ، يرجون وعد الله تبارك وتعالى ويخافون عقابه .
إن القلب الحي هو الذي إذا سمع الآيات تدبر وتفكر وتأمل وخشع وخضع وسمع وأنصت وطبق ، نعم ، (أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاء اللَّيْلِ سَاجِداً وَقَائِماً يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ ) فينبغي على المسلم أن يعرف قيمة هذه الآية ، وأن الله لم يسوِّ بين هذا وبين من ضيع ليله ، ألا تريد أن تكون من أولئك الأبطال الذين يقضون ليلهم بطاعة الله ، فنسأل الله أن نكون ممن وفقوا لتطبيق هذه العبادة والاستفادة والتدبر لآيات القرآن الكريم .
خامساً : قيام الليل أفضل الصلاة بعد الفريضة .
عن أبي هريرة . قال : قال صلى الله عليه وسلم( أفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل ) رواه مسلم .
أي صلاة التطوع بالليل أفضل من صلاة التطوع بالنهار ، فلو أن شخصاً قال أيهما أفضل أصلى ركعتين تطوعاً لله في الظهر أو في الليل قلنا في الليل أفضل ، فهذا معنى الحديث : معناه التطوع المطلق ، أما التطوع المقيد فهو أفضل بوقته .
وهنا سؤال يطرح نفسه : ما السبب في أن صلاة الليل أفضل من صلاة النهار ؟ اسمع للجواب :
قال ابن رجب : وإنما فضلت صلاة الليل على صلاة النهار ، لأنها أبلغ في الإسرار وأقرب إلى الإخلاص ، ولأن صلاة الليل أشق على النفوس ، فإن الليلَ محل النومِ والراحة من التعب بالنهار ، فترْك النوم مع ميل النفس إليه مجاهدةٌ عظيمةٌ ، ولأن القراءة في صلاة الليل أقرب إلى التدبر ، فإنه تنقطع الشواغل بالليل ، ويحضر القلب ويتواطأ هو واللسان على الفهم كما قال تعالى ( إن ناشئة الليل هي أشد وطئاً وأقوم قيلاً ) .
نعم ، فصلاة الليل كما قلت : دليل الإخلاص ، صلاة الليل دليل المتقين ، صلاة الليل دليل الزاهدين ، صلاة الليل دليل على أن هذا القلب متعلق بالله تبارك وتعالى ، صلاة الليل خَلوة بالله تبارك وتعالى ، نعم ، خلوة السحر وما أدراك ما خلوة السحر .
خلوة السحر : سكينة النفوس ، وطمأنينة القلوب ، تنساب فيها دموع المخلصين على خدودهم تترى .
هذه الخلوة ، هي والله مدرسة الإخلاص ، فيها ينشأ وينمو ، وفيها يكبر ويزهو ، وبها يُحفظ ويربو ، لأنها عبادة غائبة عن أعين الناس ، وعن مديح الناس ، فلا يقدم عليها إلا مخلص يبتغي بها وجه الله والدار الآخرة ، ولذا فإن لها حلاوة أيما حلاوة ؟ ولذاذة أيما لذاذة .
فالخالي في الأسحار ، بالتبتل والأذكار ، والدعوات والاستغفار ، لا يشعر بغربةٍ في نفسه ، ولا بوحدةٍ في حسه ، بل هو في أنس الله يرتع ، وفي اجتماعه به ينعم ، وبقربه يتسلى ، وبحبه يتلذذ ، وبمعيته يسعد ، وبالخضوع الصادق يتعبد، فخلوة السحر ساعة مباركة، يُكثِّر الله فيها القليل ، ويُربي فيها الضئيل ، ويجزي على العبادة فيها خيراً كثيراً ، إنها تعوَّدَ العبد على الصدق مع الله ، وعلى عدم التزين للمخلوق ، وتشغله بخاصة نفسه ، ومطالعة عيبهِ ، والاستغفار لذنبه ، خلوة السحر تعلم الإنسان الزهد في الدنيا ، وتميت الطمع والحرص عليها في قلبه ، وتجعله مقبلاً على الله ، مدبراً عن الدنيا ، خلوة السحر تورث رقة القلب ، ورفق الطبع ، والتواضع للخلق ، ترغب في العزلة المحمودة ، والأنس بالله تبارك وتعالى .
سادساً : من أسباب دخول الجنة .
ففي حديث عبد الله بن سلام . قال : قال صلى الله عليه وسلم ( أيها الناس ! أطعموا الطعام ، وصلوا الأرحام ، وصلوا بالليل والناس نيام تدخلوا الجنة بسلام ) رواه الترمذي .
فمن أراد الجنان ، فليعمل برضا الرحمن ، وليجتهد في استغلال الزمان في كل ما يقرب إلى ذي الجلال والإكرام .
سابعاً : قيام الليل سبب للنجاة من الفتن .
فالصلاة عموماً ، وصلاة الليل خصوصاً سبب من أسباب النجاة من الفتن .
فقد جاء في صحيح البخاري عن أم سلمة - رضي الله عنها - أن النبي r استيقظ ليلة فقال ( سبحان الله , ماذا أُنزل الليلة من الفتن ؟ ! ماذا أنزل الليلة من الخزائن ؟ ! من يوقظ صواحب الحجرات ؟ ! كي يصلين فرب كاسية في الدنيا عاريةفي الآخرة) .
ففي هذا الحديث دليل وتنبيه على أثر الصلاة بالليل في الوقاية من الفتن .
فالصلاة عموماً وصلاة الليل خصوصاً لها أثر كبير في النجاة من الفتن ، لأنها من أعظم الأعمال الصالحة ، ومن المعلوم أن العمل الصالح سبب للنجاة من الفتن إذا قَدمت وحلت كما قال r ( بادروا بالأعمال فتناً كقطع الليل المظلم يصبح الرجل مؤمناً ويمسي كافراً ، ويمسي مؤمناً ويصبح كافراً يبيع دينه بعرض من الدنيا قليل ) رواه مسلم .
يبيع دينه الذي هو الأساس يبيعه بعرض من الدنيا قليل ، من أجل مالٍ أو منصب أو جاه أو مركز [ فالله المستعان ] فتن عظيمة ، شبهها النبي صلى الله عليه وسلم بظلام الليل ، فينبغي على المسلم أن يحذر كل الحذر من الفتن ولا يتساهل بها ، ونحن نرى بأم أعيننا كيف يتساقط الناس يوماً بعد يوم بسبب الفتن ، فالإنسان ينبغي أن يتحصن قبل وقوعها وقبل مجيئها، ونحن في هذا الزمان : الفتن تنوعت وكثرت ودخلت في كل مكان : في الشارع ، في السوق ، في المدرسة ، في كل مكان .
فمن أعظم أسباب الثبات – وأسباب الثبات كثيرة – لكن من أعظمها الصلاة وبالذات صلاة الليل ، لأنها كما قلت قبل قليل أن صلاة الليل دليل الإخلاص ودليل الزهد ، وفيها الخلوة بالله تبارك وتعالى ، والنتيجة : أن الله يثبته ويعطيه من القوة والنشاط ويعطيه من الإخلاص واليقين ما يثبته أمام الفتن ، فالفتن أقبلت وتنوعت وكثرت ، فيا أخي المسلم عليك بالصلاة ، وخاصة صلاة الليل ، واجتهد لتنجو في هذا الزمان فإن من ينجو قليل .
ثامناً : أنه شرف للمؤمن .
فقد جاء في الحديث عن سهل قال : قال صلى الله عليه وسلم ( جاءني جبريل ! فقال يا محمد ! اعمل ما شئت فإنك مجزي به ، ... واعلم أن شرف المؤمن قيامه بالليل ، وعزه استغناؤه عن الناس ) رواه الطبراني وحسنه الألباني .
فقيام الليل شرف للمؤمن ، لأنه دليل على إخلاصه ، ودليل على ثقته بربه ، ودليل على قوة إيمانه ، فيرفعه الله ويعزه ويرفع مكانته ويعلي درجته لأنه خلى بالله تعالى .
ولذلك قال الحسن البصري عن أصحاب الليل : لما سئل لماذا وجوههم بيضاء : قال : قوم خلوا بالرحمن فأعطاهم من نوره سبحانه.
تاسعاً : لهم غرف في الجنة .
قال صلى الله عليه وسلم ( إن في الجنة غرفاً يرى ظاهرها من باطنها ، وباطنها من ظاهرها ، أعدها الله لمن أطعم الطعام ، وأفشى السلام ، وصلى بالليل والناس نيام ) رواه أبو داود .
عاشراً : بقيام الليل يدرك المصلي وقت النزول الإلهي .
نعم ، إذا قام من الليل في وقت السحر فإنه يدرك بذلك وقت النزول الإلهي ،كما جاء الحديث الصحيح عن أبي هريرة . قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( ينزل ربنا كلَّ ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الأخير فيقول: من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه ؟ من يستغفرني فأغفر له ) متفق عليه
إذاً ، حينما يقوم الإنسان بالليل فإنه يدرك وقت النزول الإلهي ، لحظات عظيمة ، لحظات مباركة ، نعم ، تلك اللحظات تتنزل فيها البركات ، وتتغشى العابدين الرحمات ، وتستجاب السؤالات ، ويتجاوز فيه الله سبحانه عن الزلات والخطيئات ، من يدعوني فأستجيب له ، من يسألني فأعطيه ، من يستغفرني فأغفر له ، فيا لها من لحظات ساكنة ، ويا له من جود عريض ، وكرمٍ سخي ، وإحسان وفيٍ ، فأين من يستثمر تلك اللحظات في دعوةٍ صادقة ، وتوبةٍ ناصحة ، يصلح الله له بها أمر دينه فلا ينثلم ، وأمر رزقه فلا ينعدم ، وأمر ماله فلا يخيب أبداً .
فيا أيها الإنسان ما أجهلك ؟ وما أعجلك ؟ تُؤثر نوم ساعة على نيل راحة خالدة ؟
يا أيها الإنسان ! ما أظلمك ، تعصي ويعرض عليك الغفران فتأبى ، فسبحانك ربي ما أرحمك وأحلمك ، تبسط يدك بالليل ليتوب مسيء النهار ، وتبسط يدك بالنهار ليتوب مسيء الليل .
يا نائم الليل كم ترقدُ قم يا صديقي قد دنا الموعدُ
وخذ من الليلِ وأوقاتهِ ورداً إذا مل هجـعَ الرقـدُ
من نام حتى ينقضي ليله متى يبلـغ المنزل أو يسعـد


توقيع : أم عبد المنعم


رد مع اقتباس
  #3  
قديم 03-01-2012, 02:56 AM
الصورة الرمزية أم عبد المنعم
أم عبد المنعم أم عبد المنعم غير متواجد حالياً
مشرفة
 
تاريخ التسجيل: Dec 2011
المشاركات: 1,256
افتراضي

الحادي عشر :وصف النبي صلى الله عليه وسلم من يقوم الليل بنِعم الرجل .
ففي صحيح البخاري عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( نِعم الرجل عبد الله لو كان يصلي من الليل ، قال سالم: فكان عبد الله بعد ذلك لا ينام من الليل إلا قليلاً ، وفي رواية إن عبد الله رجل صالح لو كان يصلي من الليل ) .
فهذه منقبة عظيمة ، ومزية جسيمة ، ينبغي لكل مؤمن أن يحرص عليها .
قال الحافظ ابن حجر : فمقتضاه أن من كان يصلي من الليل يوصف بكونه نِعم الرجل .
الثاني عشر : قيام الليل من أسباب المغفرة والرحمة .
كما جاء في الحديث عن أبي هريرة . قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( رحم الله رجلاً قام من الليل فصلى ثم أيقظ امرأته فصلت ، فان أبت نضح في وجهها الماء ، ورحم الله امرأة قامت من الليل فصلت ثم أيقظت زوجها فصلى ، فإن أبى نضحت في وجهه الماء) رواه أبو داود .
الثالث عشر : من فضل قيام الليل أنه من مظان الإجابة .
عن جابر . قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( إن في الليل ساعة لا يوافقها رجل مسلم يسأل الله خيراً من أمر الدنيا والآخرة الا أعطاه وذلك كل ليلة ) متفق عليه .
فمن التجأ إلى الله في هذه الساعة قضى حاجته ، وفرج كربته ، وشرح صدره ، وأزال ضيقه وعسره ، فاغتنم تلك الساعة واعلم أن الدعاء هو سلاح المؤمن .
أتهزأُ بالدعاءِ وتزدريهِ وما تدري ما صنعَ الدعاءُ
سهامُ الليلِ لا تخطىء ولكن لها أمدٌ وللأمدِ انقضاءُ
ولما كان صلى الله عليه وسلم يقوم الليل حتى تتفطر قدماه ، خرج طلابه وتلاميذه على منهجه عليه الصلاة والسلام ، [ الصحابة والسلف الصالح ] طبقوا هذه العبادة الجليلة في صور ذكرها العلماء ، صور عجيبة تدل على حرصهم وقيامهم بهذه العبادة اقتداءً بالنبيصلى الله عليه وسلم.
· قالت عائشة ( يا عبد الله ! لا تدع قيام الليل ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم ما كان يدعه ، وكان إذا مرض أو كسل صلى وهو قاعد ) متفق عليه.
· وجاء في موطأ الإمام عن ابن عمر قال ( كان عمر يصلي في الليل حتى إذا كان من آخر الليل أيقظ أهله وقرأ : وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقاً نَّحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى ) .
· وقال أبو عثمان النهْدي : تضيفت أبا هريرة سبعة أيام [ أي نزلت عليه ضيفاً ] فكان هو وزوجه وخادمه يقتسمون الليل أثلاثاً، الزوجة ثلثاً وخادمه ثلثاً وأبو هريرة ثلثاً .
· كان سليمان التيمي عنده زوجتان وكانوا يقتسمون الليل أثلاثاً .
· والحسن بن صالح كان يقتسم الليل هو وأخوه وأمه أثلاثاً ، فماتت أمه ، فاقتسم الليل هو وأخوه علي ، فمات أخوه فقام الليل بنفسه .
· هذا الحسن بن صالح كان عنده جارية ، فباعها فأيقظتهم في الليل فقالوا : أسفرنا [ يعني طلع الفجر ] فقالت : لا ، ألا تتهجدوا، قالوا : لا نقوم إلا إلى صلاة الفجر ، فجاءت إلى الحسن تبكي وتقول: ردني ! لقد بعتني لأناس لا يصلون إلا الفريضة، فردّها.
· كان محمد بن واسع إذا جنّ عليه الليل يقوم ويتهجد ، يقول أهله : كان حاله كحال من قتل أهل الدنيا جميعاً .
· الإمام أبو سليمان الداراني كان يقول : والله لولا قيام الليل ما أحببت الدنيا ، ووالله إن أهل الليل في ليلهم ألذ من أهل اللهو في لهوهم ، وإنه لتمر بالقلب ساعات يرقص فيه طرباً بذكر الله فأقول : إن كان أهل الجنة في مثل ما أنا فيه من النعيم إنهم لفي نعيم عظيم .
· رأى بعضهم حوراء في نومه فقال لها : زوجيني نفسكِ قالت : اخطُبني إلى ربي وأمهِرني ، قال : ما مهرُكِ ؟ قالت : طول التهجد
نام أبو سليمان الداراني فأيقظته حوراء وقالت : يا أبا سليمان ، تنام وأنا أُربَى لك في الخدور من خمسمائة عام ؟
· كانت امرأة حبيب بن محمد الزاهد توقظه بالليل وتقول : ذهب الليل ، وبين أيدينا طريق بعيد ، وزادنا قليل ، وقوافل الصالحين قُدّامنا ونحن قد بقينا ، وكانت تقول :
يا راقدَ الليلِ كم ترقدُ قم يا حبيبي قد دنا الموعدُ
وخذ من الليلِ وأوقاتهِ ورْداً إذا ما هجعَ الرُّقـدُ
من نامَ حتى ينقضي ليلهُ لم يبلـغ المنزلَ أو يجهـدُ
قل لأولي الألبابِ أهلِ التقى قَنطرةُ العَرْضِ لكم موعدُ
· قال أبو الدرداء : صلوا ركعتين في ظلم الليل لظلمة القبور .
· وقال أحمد بن حرب : عجبت لمن يعلم أن الجنة تزين فوقَه ، والنار تضرم تحته ، كيف ينام بينهما .
· وكان شداد بن أوس إذا دخل الفراش يتقلب على فراشه لا يأتيه النوم ، فيقول : اللهم إن النار أذهبت النوم ، فيقوم فيصلي حتى يصبح .
· وحين سألت ابنة الربيع بن خثيم أباها : يا أبتاه الناس ينامون ولا أراك تنام ؟ قال : يا بنية إن أباكِ يخاف السيئات .
· ويروى أن طاووساً جاء في السحر يطلب رجلاً ، فقالوا : هو نائم ، قال : ما كنت أرى أن أحداً ينام في السحر .
الله المستعان : الناس الآن وقت السحر – إلا ما رحم ربي – وقت السحر وقت القنوات ، وقت السهرات ، فالله المستعان .
· وكان عبد الله بن داود يقول : كان أحدهم إذا بلغ أربعين سنة طوى فراشه ، كان لا ينام الليل .
· وذكر أن عامراً لما احتضر جعل يبكي ، فقيل : ما يبكيك يا عامر ؟ قال : ما أبكي جزعاً من الموت ولا حرصاً على الدنيا ، ولكني أبكي على ظمأ الهواجر وقيام الشتاء .
· كانت أم سليمان تقول له : من يرد الله لا ينام الليل ، لأن من نام الليل ندم بالنهار .
· قال محمد بن المنكدر : ما بقي من لذات الدنيا إلا ثلاث : قيام الليل ، ولقاء الإخوان ، والصلاة في جماعــة .
· وقال الحسن البصري : ما نعلم عملاً أشد من مكابدة الليل ونفقة هذا المال ، وإن الرجل ليذنب الذنب فيحرم به قيام الليل .


توقيع : أم عبد المنعم


رد مع اقتباس
  #4  
قديم 03-01-2012, 03:02 AM
الصورة الرمزية أم عبد المنعم
أم عبد المنعم أم عبد المنعم غير متواجد حالياً
مشرفة
 
تاريخ التسجيل: Dec 2011
المشاركات: 1,256
افتراضي

أيها الإخوة :
وحيث إن قيام الليل – كما قلت – عبادة جليلة ، وقربة عظيمة ، لا ينالها إلا من جاهد نفسه فأصلحها ، ودافع دنياه فودعها ، ودحر شيطانه فغلبه ، وردع هواه فجانبه ، ينبغي عليه أن يعمل بالأسباب التي تعين على قيام الليل ، وقد ذكر علماؤنا – رحمهم الله أسباب كثيرة تعين على قيام الليل أذكر بعضاً منها :
أولها : ترك الذنوب والمعاصي .
فإن الذنوب والمعاصي حاجب بين العبد وبين ربه .
قال الفضيل بن عياض : إذا لم تقدر على قيام الليل وصيام النهار فاعلم أنك محروم وقد كثرت خطيئتك .
وذكر عن الحسن أن قال : إن الرجل ليذنب الذنب فيحرم به قيام الليل .
وقال سفيان الثوري : حرمت قيام الليل بذنب أحدثته منذ خمسة أشهر .
وحينما اشتكى شاب إلى الحسن عدم قدرته على القيام بالليل قال له الحسن : قيدتك خطاياك .
وقال بشر بن الحارث : لا تجد حلاوة العبادة حتى تجعل بينك وبين الشهوات سداً .
وقيل لابن مسعود : ما نستطيع قيام الليل ، فقال : أقعدتكم ذنوبكم .
فالذنوب والمعاصي حاجب بين الإنسان وبين ربه ، وخاصة هذه العبادة التي لا يوفق لها إلا القليل .
وثانيها : من الأسباب التي تعين على قيام الليل قلة الأكل .
لأن الشّبَع مذموم ، فهو يكسل عن العبادة ، فعلى العبد أن لا يكثر الأكل والشرب حتى لا يغلبه النوم ويثقل عليه القيام .
ولذلك قيل : لا تأكل كثيراً ، فتشرب كثيراً ، فتنام كثيراً ، فتتحسر كثيراً ؟
وقد جاء في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( إن أهل الشبع في الدنيا هم أهل الجوع في الآخرة ) .
قال عمر : إياكم والبطنة ، فإنها ثقل في الحياة ونتن في الممات .
وقال لقمان لابنه : يا بني ! إذا امتلأت المعدة نامت الفكرة ، وقعدت الأعضاء عن العبادة .
وقال أبو سليمان الداراني : من شبع دخل عليه ست آفات : فقْد حلاوة المناجاة ، وتعذر عليه حفظ الحكمة ، وحرمان الشفقة على الخلْق ، لأنه إذا شبع ظن الخلق كلهم شباعاً ، وثقل العبادة ، وزيادة الشهوات .
وقال محمد بن واسع : من قلّ طُعْمه فهِم وأفْهم وصفَى ورقّ .
وقال عمرو بن قيس : إياكم والبطنة ، فإنها تقسي القلب .
وقال الحسن البصري : كانت بلية أبيكم آدم أكلة ، وهي بليتكم إلى يوم القيامة .
وقد قيل : إذا أردت أن يصح جسمك ويقل نومك فأقلل من الأكل .
وقال إبراهيم بن أدهم : من ضبط بطنه ضبط دينه .
وثالثها : ومن أسباب قيام الليل دعاء الله تبارك وتعالى أن يوفقك لهذه العبادة .
فالتوفيق لقيام الليل هبة ربانية ، وعطية رحمانية ، يمنّ الله بها على من كان مستحقاً لها من عباده ، ومؤهلاً للخلوة به سبحانه ومناجاته ، فالجأ إلى ربك ومولاك ، وانطرح بين يديه ، وتوجه بقلبك وقالبك إليه ، واعتمد وتوكل عليه ، واسأله وهو العزيز القهار ، المهيمن الجبار ، بلسان الذل والافتقار ، أن يوفقك لقيام الأسحار ، وأن يمن عليك فيها بالدموع والخشوع والانكسار ، وأن يحشرك مع الأبرار .
وقد أمرنا الله عز وجل بدعائه في كل وقت وفي كل حين فقال (وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ ) .
وأرشدنا النبي صلى الله عليه وسلم إلى الإكثار من الدعاء والتضرع إليه ، فقال صلى الله عليه وسلم ( الدعاء ينفع مما نزل ومما لم ينزل ) .
فعليكم عباد الله بالدعاء ، وقد قال صلى الله عليه وسلم ( إن الله حيي كريم يستحيي إذا رفع الرجل إليه يديه أن يردهما صفراً خائبتين ) .
ولذلك يقول ابن القيم : وما أُتيَ من أتيَ [ يعني هلك من هلك ] إلا من قِبل إضاعة الشكر ، وإهمال الافتقار والدعاء ، ولا ظفر من ظفر بمشيئة الله وعونه إلا بقيامه بالشكر وصدق الافتقار والدعاء .
كان أحد العلماء يقول في سجوده : اللهم اشفني من النوم باليسير .
فيا أخي المسلم : بادر واخضع وانكسر بين يدي الله عز وجل أن يوفقك وأن يجعلك من المخلصين في القيام بهذه العبادة التي نرى أن القليل من يقوم بها ، لأن القيام بهذه العبادة توفيق ومنّة من الله عز وجل ، ورحمة من الله ، فتضرع واجتهد وادع الله عز وجل أن يعينك وأن يوفقك مع فعل الأسباب التي تعين على ذلك .
ورابعها : ومن الأسباب أكل الحلال والابتعاد عن الحرام .
يقول الله تعالى (يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحاً إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ) .
يقول ابن كثير في تفسير هذه الآية : يأمر تعالى عباده المرسلين عليهم الصلاة والسلام أجمعين بالأكل من الحلال ، والقيام بالصالح من الأعمال ، فدلّ هذا على أن الحلال عون على العمل الصالح ، فقام الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بهما أتم القيام ، وجمعوا بين كل خير قولاً وعملاً ودلالة ونصحاً .
فإذاً الحلال معين على الطاعة .
ومما يدل أيضاً على أن أكل الحرام يمنع من العمل الصالح الحديث المشهور عن أبي هريرة . قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً ، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال : يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحاً إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ... ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء يا رب يا رب ، ومطعمه حرام ، ومشربه حرام ، وغذي بالحرام ، فأنى يستجاب لذلك ) رواه مسلم .
فالدعاء عبادة وطاعة ، فحُرِمها الإنسان لأكلهِ الحرام ، فأكل الحرام مانع من الطاعة ، وأكل الحلال معين في أن يتربى هذا الجسم على الطيب .
وخامسها : ومن الأسباب التي تعين على قيام الليل سلامة القلب من الغل والحسد والبغضاء .
فإن أمراض القلوب من الغل والحسد لا يُوفق صاحبها للخير ، لأنها أمراض خطيرة ، فينبغي على المسلم أن يجتهد أن يكون قلبه طاهراً سليماً حتى يوفق للطاعات .
قال صلى الله عليه وسلم ( ألا أخبركم بخير الناس ؟ كل مخموم القلب ، صدوق اللسان ، قالوا : صدوق اللسان نعرفه ؟ فما مخموم القلب : قال : الذي لا غل ولا حسد ولا بغي ) .
وسادسها : ومن الأسباب قصر الأمل .
على الإنسان أن يكون أمله قصيراً ، وقصر الأمل العلم بقرب الرحيل ، وأنه في أي لحظة من اللحظات سوف يرحل من هذه الدنيا ، وهو أحسن علاج للقلب ، وهو أحسن علاج للنشاط في الطاعة ، فمتى علم الإنسان أنه لا يدري متى يفجأه الموت ومتى يزوره ملك الموت ، ربما الآن ، ربما بعد لحظات ، فإن ذلك منشط ومقوٍ له للطاعة والعبادة ، ولذلك حذرنا علي من طول الأمل فقال : أخوف ما أخاف عليكم طول الأمل واتباع الهوى ، طول الأمل ينسي الآخرة ، واتباع الهوى يصد عن الحق .
(كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا) .
(قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ . قَالُوا لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فاسْأَلِ الْعَادِّينَ) .
فينبغي على المسلم أن يعرف أن حياته في هذه الدنيا قليلة ، وأن ما يزرع فيه من خير سيجده ، وأنه لن ينفعه إلا عمله الصالح ، لحظات وتمضي هذه الدنيا ، أين الرسل ؟ أين الصحابة ؟ أين أجدادنا ؟ كلهم رحلوا .
كل ابن أنثى وإن طالت سلاماته يوماً على آلةٍ حدباءَ محمولُ
وسابعها : ومن الأسباب كثرة ذكر الله تعالى .
لأن ذكر الله قوة ، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم لعلي وفاطمة وعلمها أن يقـولا قبل النوم : سبحان الله 33 ، والحمد لله 33 ، والله أكبر 34 ، وقال : خير لكما من خادم .
فدل هذا على أن ذكر الله يعطي الإنسان قوة ، وفعلاً حينما يعتصم الإنسان بالله العظيم ، ويلتجىء إلى الله ويكثر من التسبيح والاستغفار فإن ذلك يعطيه قوة فلا يجد صعوبة في قيام الليل .
وثامنها : ومن الأسباب القيلولة .
يحاول الإنسان أن ينام في وسط النهار ، وفي بعض الآثار ( استعينوا بالقيلولة على قيام الليل ) وفي بعضها (قيلوا فإن الشياطين لا تقيل) وجاء في حديث يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم ( استعينوا بطعام السحر على صيام النهار ، واستعينوا بالقيلولة على قيام الليل ) .
إخواني :
وأخيراً :
اغتنموا هذه الساعات التي يفتح فيها الباب ويقرب فيها الأحباب ويسمع الخطاب ويُرد الجواب ويعطى للعاملين أجزل الثواب ، هي ليالي ذاهبة عنكم بأفعالكم ، وقادمة عليكم غداً بأعمالكم ، فيا ليت شعري ! ماذا أودعتموها ، وبأي الأعمال ودعتموها ، أتراها ترحل حامدة لصنيعكم ، أم ذامة لتضييعكم ، هي ليالي عتق ومباهاة ، وأوقات أنس ومناجاة ، وساعات قرب ومصافات .
فيا ليالي المتهجدين اشهدي ، ويا ألسنة السائلين جدّي في المسألة واجتهدي .
أخي المسلم :
قم في ظلام ليلك ، واستغفر ربك من تقصيرك وكثرة نومك ، واسكب دموع الانكسار ، وقل بلسان الذل والافتقار : يا غيوم الغفلة عن القلوب تقشعي ، ويا شموس التقوى والإيمان اطلعي ، ويا صحائف أعمال الصالحين ارتفعي ، ويا قلوب المتهجدين اخشعي ، ويا أقدام التائبين اسجدي لربك واركعي ، ويا عيون المذنبين لا تهجعي ، ويا ذنوب التائبين لا ترجعي ، ويا أرض الهوى ابلعي ماءك ، ويا سماء النفوس أقْلعي ، ويا خواطر العارفين اركعي ، ويا همم المحبين بغير الله لا تقنعي ، فهاهي موائد الإنعام قد مدت في جنح الظلام ، فما منكم أحد إلا وقد دعي : يا قومنا أجيبوا داعي الله ، فيا همم المؤمنين أسرعي ، فطوبى لمن أجاب فأصاب ، وويل لمن طُردَ عن الباب وما دُعي .
أسأل الله تبارك وتعالى أن نكون ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه .
اللهم إنا نسألك فعل الخيرات ، وترك المنكرات .
اللهم أصلح قلوبنا ونياتنا وذرياتنا .
وصلى الله وسلم على نبينا محمد .


توقيع : أم عبد المنعم


رد مع اقتباس
  #5  
قديم 03-01-2012, 06:55 PM
الصورة الرمزية المشتاقة للجنة
المشتاقة للجنة المشتاقة للجنة غير متواجد حالياً

مراقبة عامة

 
تاريخ التسجيل: Nov 2009
المشاركات: 4,422
افتراضي

جزاك الرحمن كل خير ووفقك اخيتي


توقيع : المشتاقة للجنة


اللهم اغفر لي ولوالدي وللمؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات الاحياء منهم والاموات

اللهم صل وسلم وبارك على حبيبنا محمد وعلى آله وصحبه اجمعين

رد مع اقتباس
إضافة رد


« الموضوع السابق | الموضوع التالي »
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
قيام الليل المشتاقة للجنة روضة الفقة واصوله 0 01-06-2012 07:17 PM
هل تصح القراءة من المصحف في قيام الليل ؟ المشتاقة للجنة روضة الفتاوى 2 01-27-2011 02:48 PM
من الاسباب المعينه علي قيام الليل ابو تسنيم الروضة الاسلامية العامة 3 12-01-2010 02:13 PM
فضل قيام الليل تطوعا لله امل محمد مرسي الروضة الاسلامية العامة 2 10-27-2010 07:54 PM
فضل قيام الليل خادم الدين الروضة الاسلامية العامة 3 02-03-2010 02:48 AM


الساعة الآن 04:37 AM.


Powered by vBulletin® v3.8.4, Copyright ©2000 - 2018, Jelsoft Enterprises Ltd. , TranZ By Almuhajir
النسخة الفضية
Ads Management Version 3.0.1 by Saeed Al-Atwi

SlamDesignzslamDesignzEdited by Riad Al-Ganah Team - جميع الحقوق محفوظة لشبكة رياض الجنة

Valid XHTML 1.0 Transitional By SlamDesignz Valid CSS Transitional By SlamDesignz
if condition=hidden